زمن الدولة

طلال الحمود

2018.06.03

مع دخول السعودية إلى القرن الـ 21 بدأت طفرة اجتماعية ساهمت في تغيير طريقة التفكير.. وجعلت من الشبان قوة فاعلة في مجتمع كان يكافح الأمية خلال السبعينيات، وزاد انتشار الإنترنت وتعدد استخداماته من حجم التغيير وقوة تأثيره حتى على الشجر والحجر؛ ما جعل المجتمع السعودي أحد أكثر المجتمعات اتصالاً بالعالم وتأثراً بما يجري حوله.

بات المجتمع شاباً ومتعلماً خلال فترة وجيزة، وأصبح بحاجة إلى طريقة تفاعلية ونشطة لإدارة شؤونه، من خلال محاربة الترهل الذي يظهر بوجهه البشع، عند المقارنة مع الدول المجاورة، ورغم المحاولات الكثيرة إلا أن هذا لم يكن كافيًا بدرجة توازي الحفاظ على تطور السعودية صاحبة المكانة المهمة دينيًّا واقتصاديًّا في العالم.. ومع بقاء السلبيات أصبح المسوقون في الخارج ينظرون إلى المجتمع السعودي على أنه استهلاكي نهم، باستطاعته ابتلاع كل ما يصل إليه من بضائع وأفكار جيدة أو رديئة!.

في سنوات مضت تعرض المجتمع السعودي لحملة تسطيح، من خلال إغراقه بالمحتوى الرديء "قليل الكلفة، عالي الربح"، حتى أصبح "الاستهبال" طريقة حياة توازي ما تتلقاه العقول من رسائل تسطيح يفترض أصحابها في الخارج أنها أنجح وسيلة لمخاطبة مجتمع يعتقدون جازمين بجهله!.

في الأعوام الأخيرة، حدثت ثورة حقيقية، ضد هذا "الهزال" الذي نال من نظرة المجتمع الشاب نحو مكانة بلاده الحقيقية، وبدأت خطوات تصحيح سريعة وحازمة لإعادة الأمور إلى نصابها، كان من أهمها محاسبة من كانوا يبيعون ويشترون بسمعة بلادهم، والتحقيق مع كثير من الذين تورطوا ببيع السعودية للسعوديين دون ضمير، ولعل من الذكريات المؤلمة والمحبطة، على مستوى القطاع الإعلامي والرياضي فقط، تصريح لمسؤول رياضي يطالب التلفزيون السعودي بالتفاوض مع قناة "الجزيرة" للحصول على حق إذاعة مباريات المنتخب الوطني، فضلاً عن مسؤول ثان يسوّق مباريات الدوري السعودي والمنتخب لأي جهة خارجية تدفع المال.. كان هذا بمثابة كسر معنوي أصاب ملايين الشبان الذين باتوا ينظرون إلى بلادهم على أنها عاجزة أمام كيانات سياسية صغيرة كانت تسوق سمعتها من خلال ضعاف النفوس!.

تغير الحال بعد محاسبة وطرد الفاسدين، وعاد زمن الدولة التي تملك إرادة سياسية نافذة من شأنها حماية حقوق مواطنيها من الفساد أولاً، وإعادة الهيبة والاعتزاز للشاب السعودي الذي ظن يوماً أن الحياة مجرد "استهبال"، وأن قدره البقاء وفياً لصالة المغادرة في المطار، والسفر بحثاً عن حياة مختلفة، نقلها الفاسدون إلى خارج السعودية، ليفرضوا على أهلها دوام الغربة!.